السبت، 21 نوفمبر، 2009

جنتى

جنتى



سألتنى يوما و هى شاخصة ببصرها .. يكسو وجهها هم جعلها أشبه بالعجائز : تريدين أن تعرفي حالي الآن؟"!
سكت فمي .. و لكن أجابت عيناي أن نعم .. قالت كلمة واحدة : الذكرى ..
و أردفت : إذا علا وجهى لحظة شبح إبتسامة .. فاعلمى أنها بسبب ذكرى مرت على خاطرى .. أصبحت سبب سعادتى الوحيد ..أهرب بها من الواقع الصادم ..
أفزعنى صوتها .. و شكلها في الواقع .. كانت تتحدث بصوت منخفض جدا عن المعقول .. و عيناها لا تطرفان .. كنت أرى بعين الخيال ملايين من الأفكار في خاطرها .. و صلت لآخر كلمة قالتها .. و بدون سابق إنذار .. رأيت شلالات من الدموع على خديها .. و أنطلق كلام سريع بين شهقات دموعها .. أيقنت أنها وصلت للحظة المقارنة بين ما كانت عليه .. و ما هى عليه الآن .. هتفت: أصبحت سلعة مستهلكة .. ضقت بي .. وددت يوما أن أتخلص من قلبي.. حاولت أم أعيش بدونه فتره .. لم أستطع .. الآن أريد أن أتخلص من عيناي.. لا أدري هل سيأتى اليوم الذي تجف فيه دموعي أخيرا؟!!.. قلبي و عيناى .. و ماذا .. و أيضا .. و بالإضافة إلى ...
كانت بين الكلمة و الأخرى .. تشهق بين دموعها .. إلى أن أصبح صوتها بالنهاية أشبه بصرخات .. صاحت : أريد التخلص من حياتى كلها .. هنا أفقت من حالة الذهول التى كنت فيها .. ضممتها إلى صدري .. سالت دموعي في صمت مع دموعها .. بعد فترة هدأت .. قلت : يكفي هذا هونى على نفسك حبيبتى ..
هدأت قليلا ثم قالت : أنا زهرة ذبلت بعد طردها من بستان الأحلام .. قالت : طردت أيضا من عملى كبناء .. طوال سنوات عديدة .. و أنا أبنى في أحلام و أوهام سعيدة ... ثم أهدمها على يد الشك أو الضلالات الشريرة .. الخوف .. القلق ..
كنت قد سمعت من كلامها حتى كلمة .. البستان .. ثم استغرقت في تفكير عميق .. فاستوقفتها قائلة : قلتى أنك كالزهرة في البستان !!
فاعترضت تريد أن تفسر ما قالته .. لكنى قاطعتها : من أجلى فقط .. استرخي .. و أغمضي عينيك .. صاحت رافضة : هاأنت ذي مجددا ستطلبين أن أمارس تمارين التنفس بعمق .. و الاسترخاء .. و ما إلى هذا الهراء..لا لا أريد ..
أضحكنى قولها رغم كل شئ .. طمأنتها أن لا ..أغمضت عينيها مستسلمة بعد أن ابتسمت من ضحكاتى .. قلت لها : أعرف أنكِ من هواة مشاهدة الأفلام و كذلك مدمنة رحلات .. كما أنك رسامة موهوبة .. استجمعى كل خبراتك و فنك لترسمى في خيالك أعظم مشهد لأجمل بستان ..
عادت كما تعودت منها في السابق لسخريتها .. قائلة في تهكم : بستان هذا يعنى حديقة !! أليس كذلك؟! لم تنتظر ردى .. أغمضت عينيها ..و اندفعت قائلة بصوت يملأه الحماس.. الورود الحمراء .. أعشق الورد الأحمر.. حديقتى مملوءة بها .. و بها أكبر مسطحات خضراء ممكنة .. سأجرى و أنطلق عليها .. و بالطبع هناك نهر رقراق .. تنعكس عليه أشعة الشمس الحانية..
ثم فتحت عينيها فجأة كمن تذكر شئ.. سأكون هناك وحدى؟!! ..
قلت لها ضاحكة .. سأكون معك ..
لاحظت على وجهها تعبير غريب كأنها لم تكن تريد مثل هذه الإجابة .. أغمضت عينيها مجددا .. و استرسلت فى الوصف كمن يحدث نفسه .. عن الأرجوحة التى تريد أن تضعها فيها و لون السماء .. لم تعطنى أى فرصة لمقاطعتها .. لقد طرحت عليها هذه الفكرة من البداية .. لكى أغرقها -بعد أن تعيش في جو البستان أو الحديقة كما قالت- بالحكم و المواعظ .. و أسير معها في هذه الحديقة .. حتى نصل إلى مجموعة من النمل ثم مثلا نقابل حيوانا ما .. و أشرح لها عظمة خلقه أو ما يلاقيه من مآسي أصعب مما هى فيها .. و عن الدنيا و ماهية الحياة .. لكنها خيبت أملى و فوتت على هذه الفرصة العظيمة .. كنت غارقة في شرودي .. حتى أفقت لأجد صديقتى راحلة .. كمن أحست بتبديد و قتها في حديثها معى عن مثل هذه الصور الجميلة .. قالت لى : أشكرك لابد أن أذهب الآن لأرسم هذه اللوحة الرائعة التى في ذهنى..
قالت : سأسميها "جنتى"
ثم أضافت ساخرة و هى تبتعد : الجنة تعنى الحديقة و البستان أيضا..